محمد بن زكريا الرازي
304
منافع الأغذية ودفع مضارها
من ضيق النفس أو الكرب « 1 » ، أو كان وإن لم يصبه شيء من هذه الأعراض تبطىء شهوته من غد للطعام ، فليقتصر على أكلة واحدة ، ولا سيّما إن لم تكن الشهوة الثانية قوية ، ويجعل وقتها إن كان فارغا بعد حركته وحين تهيأ له أن يسكن بعد اغتذائه . ومن اعتدلت حالته بين هذين العارضين ، فكان يعرض له عن أكلة واحدة بعض ما ذكرنا من الأعراض الرديئة التي تعرض لأصحاب الأبدان التي تحتاج إلى الاغتذاء مرتين وعن الأكلتين بعض ما يعرض لمن يحتاج إلى أكلة واحدة ، فليأكل ثلاث أكلات في يومين يقع منها في يوم غداء وعشاء ، وفي يوم غداء مؤخر الوقت فقط ، وهو اليوم الذي كان أقل فيه من أمسه العشاء . في اختيار الأغذية وتدبيرها بحسب أمزجة الأبدان ودلائل وجيزة على أمزجتها ومثالات الأطعمة الموافقة لكل مزاج أقول من كان حار المزاج ، يابسه ، ملتهبه جدا ، تسرع إليه الحمى من احتمال الجوع والعطش . ولا سيّما إن تقيؤا مع ذلك ، وكانوا في هواء حار ، فيحتاجون أن يباكروا الغذاء ، وأن يأكلوا في اليوم أكلتين ، ويديموا الراحة وشرب الماء البارد . وتكون أغذيتهم تفهة ، لا كيفية فيها ولا سيّما مرارة أو حرافة أو ملوحة ، بل تكون إما محضة التفاهة كالقرع « 2 » واللبن والخبز والماء ، وإما إلى الدسومة أو إلى الحلاوة قليلا . وإن كان قد التهبوا فضل التهاب ، احتيج أن تكون أغذيتهم حامضة ، وتكون مع ذلك ليست بكثيرة الإغذاء جدا ، لأنه يتولد فيهم عن المرة والحريفة والمالحة أخلاط رديئة حادة ، وعن الكثيرة الإغذاء سدد في مسام البدن بعقبه وحميات ، إلّا أن يستعملوا الدلك في الحمام والرياضة البليغة ، وهم لا يحتملونها . فلذلك الأجود أن يدعوا الأغذية الكثيرة الإغذاء . وقد يتولد في سائر الأمزجة ، فلذلك ينبغي أن يتداركوا الحلو والدسم بالحامض . وهذه الأبدان صفر ، وسمر ، ظاهرة العروق ، عضلة ، نبضية ، معرفة ، يابسة اللحم ، غليظة الجلود ، سريعة الحركات ، خفيفة النوم ، يسرع تأذيها بالأغذية الحارة وبالمدافعة بالغذاء .
--> ( 1 ) الكرب : سبق شرحها . ( 2 ) القرع واللبن : سبق شرحهما .